مع اقتراب حسم القوات العراقية لمعركة "تلعفر" التابعة لمحافظة نينوى شمالي العراق، تبدو ملامح مستقبل تنظيم داعش بالمحافظة غامضة، بعد خسارته لمراكز سلطته وأبرز معاقله.

القوات العراقية سيطرت بشكل كامل على مركز القضاء واقتحمت آخر معاقل التنظيم فيه، كما حاصرت ناحية "العياضية" التابعة له وعدداً من القرى المحيطة بها، والتي ما زالت بحوزة التنظيم.

ويعتقد مراقبون أن التنظيم سيعود في المستقبل القريب إلى أساليبه التقليدية في الاستهداف، عبر تحريك خلاياه النائمة وتنفيذ عمليات اغتيال لشخصيات سياسية وعشائرية، وتفجير سيارات مفخخة على تجمعات الجيش والشرطة داخل مدن المحافظة وخارجها.

فرغم ما تعرض له التنظيم من خسائر بالجملة، لا يعتقد الكاتب والمحلل السياسي أحمد الملاح، أن الحسم العسكري سينهي قدرة "داعش" على الاستمرار بنفوذ جزئي، من خلال عمليات "خاطفة" ينفذها هنا وهناك بمساعدة الخلايا النائمة.

وأضاف في حديث لـ"الخليج أونلاين": "إلى اليوم لا يوجد برنامج اجتماعي تأهيلي حقيقي يعنى بالمناطق التي حكمها داعش لثلاث سنوات، وأثر فيها فكرياً وزرع له العديد من البواعث التي تنتظر هشاشة جديدة للوضع الأمني والاجتماعي، لتعود للعمل من جديد".

وتابع المحلل وهو من أبناء مدينة الموصل، قائلاً: "إذا لم تحل مشكلة حكم المدينة وتمثيلها بشكل صحيح بتطويع أهلها لحمايتها، والسماح لهم بإنتاج حكومة محلية حقيقية، وجهاز شرطي وأمني من نفس المدينة؛ فإن مشاكل الموصل كمدينة ونينوى كمحافظة لن تنتهي".

وتحدث الملاح عن مشاكل أخرى تنتظر نينوى وهي "الحشود المناطقية التي انتشرت بين الأقليات الاجتماعية في نينوى، وعمليات المطالبة بتقسيم المحافظة لمناطق إدارية بحسب الدين والعرق والمذهب"، وهي ما وصفها بـ"قنبلة موقوتة جديدة".

- معركة تلعفر.. خسارة معقل استراتيجي لـ"داعش"

معركة تلعفر شارك فيها الجيش العراقي والشرطة الاتحادية و"الحشد الشعبي" وقوات مكافحة الإرهاب، وهي بغطاء جوي للتحالف الدولي، وبإسناد من المدفعية الأمريكية والفرنسية، وقوات من البيشمركة الكردية، ومقاتلين من العشائر العربية في المحافظة.

ويبلغ عدد سكان قضاء تلعفر نحو 300 ألف نسمة، يشكلون خليطاً من العرب والتركمان، مع وجود أقلية كردية في أطرافه، ويتنوع الانتماء الطائفي لسكانه؛ حيث ينقسم التركمان بين سنة وشيعة، في حين ينتمي عربه وأكراده للمذهب السني، ويشكل السنة ما نسبته نحو 80% من مجموع قاطنيه.

وقد فر معظم السكان إلى خارج القضاء، حيث ابتدأت عملية النزوح منذ سيطرة التنظيم على المدينة في صيف 2014، وازدادت وتيرة خروج الأهالي مع بدء عملية استعادة مدينة الموصل، ويعيش هؤلاء النازحون أوضاعاً إنسانية بالغة السوء، بحسب تقارير للمنظمات الإغاثية والإنسانية.

ويعد قضاء تلعفر أحد أهم معاقل تنظيم الدولة ومراكزه في محافظة نينوى منذ نشأته في العراق، بالإضافة إلى قضاء "البعاج" وناحية "الشورة"، وشكّل المنتمون للتنظيم من أهالي تلعفر مراكز قوة وقيادة فعالة داخل جسم التنظيم.

ومن أبرز هذه الشخصيات معتز فاضل الحيالي، والمعروف بـ"حاجي معتز" والملقب بـ"أبو مسلم التركماني"، والذي كان الساعد الأيمن لزعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، وشغل عدداً من المناصب الحيوية داخله، قبل مقتله في غارة أمريكية في 18 أغسطس أثناء تنقله بسيارته قرب الموصل، بالإضافة إلى عدد من المسؤولين والقادة الميدانيين، الذين قتل بعضهم في غارات جوية للتحالف الدولي، أو في معارك مع القوات الأمنية العراقية.

واستغل التنظيم مناخ الاحتقان الطائفي السائد في القضاء، وسيطرة مليشيات شيعية على المفاصل الأمنية فيه، والتي كانت متهمة بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين على أساس طائفي، واستطاع تجنيد أعداد من السكان المحليين في صفوفه، وخاصة من التركمان السنة، كان بعضهم من المعتقلين في سجن (بوكا) الشهير، التابع للجيش الأمريكي، والذي شهد تكون البدايات الأولى للتنظيم، بعد التحولات التي قادها منتمون لـ"تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" وفصائل مسلحة أخرى.

وعلى امتداد المنطقة بين سوريا والعراق كانت تنتشر معسكرات التنظيم في مناطق صحراوية نائية، ومنها انطلق مقاتلوه للسيطرة على مدن المحافظة عام 2014، ومن المرجح عودته إلى هذه المعسكرات وتفعيلها بعد ثلاث سنوات من التمركز وسط الأقضية والنواحي والقرى.

- عقبات وغياب للنفوذ

وحول مستقبل التنظيم في نينوى، تبرز عدة عقبات سيواجهها مستقبلاً كما يرى مراقبون؛ من بينها خسارته لعدد كبير من حواضنه الشعبية، بعد تجربته في السيطرة على مناطقهم، والتي أدت إلى نفور كبير من معظم السكان، ونزوح لمئات الآلاف منهم، هرباً من سلطته وقوانينه، التي يصفونها بـ"التعسفية".

كما أن النسيج العشائري الموالي للتنظيم قد جرى تفتيته، عبر تخلي الكثير من أبناء العشائر عنه، بعد تعرضهم للإقصاء وسياسة العقوبات الجماعية، ما أدى إلى تواصلهم مع الحكومة العراقية، وتشكيل حشود عشائرية مساندة للجيش العراقي، أصبحت تمتلك حيزاً من السلطة في تلك المناطق.

بالإضافة إلى أن حجم الدمار والخراب وارتفاع أعداد الضحايا أثناء عملية استعادة الموصل؛ جعل الكثير من أنصاره ينفضون عنه، ويحملونه مسؤولية ما جرى، بعد رفضه الانسحاب منها وإصراره على القتال فيها، على حد قولهم.

فضلاً عن ذلك؛ فقد خسر التنظيم أحد أهم مصادر تمويله، والمتمثلة بالإتاوات التي كان يفرضها على أصحاب الشركات الكبيرة والمحال التجارية وشاحنات نقل البضائع في المحافظة، فلم يعد باستطاعته التحرك بحرية بين الأهالي كما كان يحصل في السابق، مع انكشاف عناصره للسلطات العراقية وملاحقتهم أمنياً وعشائرياً، وعدم تقبل معظم السكان لهم.

وخسر التنظيم كذلك عدة آبار نفط كان يسيطر عليها في ناحية القيارة ومناطق أخرى في نينوى، كانت تدر عليه دخلاً مالياً كبيراً؛ ما سيدفعه إلى البحث عن مصادر تمويل جديدة، ربما لن تكون يسيرة هذه المرة.

- التوجه للحدود

ومن المرجح أن يعود ما تبقى من التنظيم إلى التمركز في المناطق الصحراوية الجرداء باتجاه الحدود السورية، والمتصلة بمعاقله في الحسكة ودير الزور السوريتين، بالإضافة إلى عدد من المناطق الوعرة في محافظة نينوى مثل تلال "شيخ إبراهيم" و"ساسان"، والتي يصعب التوغل فيها والسيطرة عليها، وتحتوي على عشرات الكهوف والأنفاق.

وربما يتخلى كذلك عن سياسته التي انتهجها خلال السنوات الثلاث الفائتة؛ والمتمثلة بفرض سيطرة مباشرة على التجمعات السكانية الكبيرة، ليكتفي بفرض نفوذه بشكل غير مباشر على عدد من النواحي والقرى، التي ما زال يحتفظ بولاء بعض السكان له فيها.

وهكذا لم يتبق للتنظيم في العراق سوى مدن ونواحي الحويجة والعياضية وراوة وعنة والقائم غرباً، وبادية نينوى وغرب الثرثار، وعدد من القرى المتناثرة شمال محافظة صلاح الدين وفي أطراف محافظة ديالى شرقاً، بعد أن كان يسيطر على نحو 40% من مساحة البلاد، ولم تعلن الحكومة العراقية حتى اللحظة عن وجهتها العسكرية القادمة بعد تلعفر، إلا أن الكثيرين يرجحون أن تكون قضاء الحويجة التابع لمحافظة كركوك، والذي يعد من المعاقل المهمة للتنظيم في حوض شمال دجلة، وبالقرب من سلسلة جبال حمرين.

 

المصدر: الخليج أونلاين